أصبحت الأقمشة الحيوية والمعاد تدويرها في قلب أجندة الاستدامة لدى كبرى علامات الأزياء العالمية، بعد سنوات من الوعود التسويقية غير المدعومة بأرقام حقيقية. هذا المقال يستعرض ثلاث قصص فعلية من صناعة الأقمشة اليوم: واحدة نجحت ووصلت إلى منتجات فاخرة على الأرفف، وأخرى انهارت مالياً قبل أن تُبعث من جديد، وثالثة لا تزال تبني حصتها خطوة بخطوة، لأن فهم الفشل لا يقل أهمية عن فهم النجاح عند الحديث عن مستقبل الأقمشة.

جلد الفطر: من مختبر صغير إلى خزائن Hermès
شركة MycoWorks الأمريكية تنتج مادة Reishi، وهي بديل جلدي مصنوع من خيوط الفطريات (mycelium)، عبر تقنية مملوكة بالكامل للشركة تُدعى Fine Mycelium. افتتحت الشركة عام 2023 مصنعاً بمساحة 136 ألف قدم مربع في مدينة Union بولاية ساوث كارولاينا الأمريكية، يوظّف أكثر من 350 شخصاً، بتمويل بلغ 125 مليون دولار في جولة استثمارية أُغلقت في يناير 2022. المصنع قادر على إنتاج ملايين الأقدام المربعة من مادة Reishi سنوياً، وتشمل قائمة عملائها بيت الأزياء الفرنسي Hermès، إضافة إلى Ligne Roset وGeneral Motors. وقال باتريك توماس، الرئيس التنفيذي الأسبق لـHermès وعضو مجلس إدارة MycoWorks حالياً: “هذه هي اللحظة التي كانت صناعة الرفاهية تنتظرها: بديل جلدي خالٍ من البلاستيك يقدّم جمالاً وأداءً لا يمكن إنكارهما، وعلى نطاق واسع”.
الأقمشة المعاد تدويرها: قصة سقوط ونهوض
مادة Circulose، وهي لُب سليلوزي يُصنع من نفايات القطن والملابس المُعاد تدويرها كيميائياً بدلاً من القطن الخام، تقدّم مثالاً مختلفاً تماماً على واقعية هذا القطاع. الشركة المُنتجة، Renewcell، كانت الرائدة عالمياً في هذا المجال، واستثمرت فيها H&M نحو 29 مليون دولار على مدى سبع سنوات عبر قروض واتفاقيات شراء. لكن ارتفاع تكلفة الإنتاج، وتراجع الطلبيات إلى الصفر في نوفمبر 2023، وتوقف H&M عن دعمها في يناير 2024، دفعت الشركة إلى إعلان إفلاسها في فبراير من العام نفسه، مع انهيار سهمها بنسبة تجاوزت 95%. اشترت شركة الاستثمار Altor أصول الشركة لاحقاً وأعادت إطلاقها تحت اسم Circulose، وأعلنت في 2026 عن استئناف الإنتاج التجاري في مصنع Örtviken بالسويد خلال الربع الأخير من العام، بالتوازي مع شراكة جديدة متعددة السنوات مع H&M ومنصة “Circulose Forward” لمساعدة العلامات على دمج الألياف السليلوزية الدائرية في سلاسل التوريد الخاصة بها. القصة هنا ليست فشلاً بسيطاً، بل درس عن الفجوة بين رغبة العلامات في الاستدامة كأداة تسويقية والتزامها الفعلي حين ترتفع التكلفة.
الألياف الخشبية: بديل كيميائي أنظف لا يزال ينمو
الشركة الفنلندية Spinnova تنتج ألياف نسيجية من الخشب ولُب السليلوز ومخلفات زراعية كالقمح والشعير، عبر عملية ميكانيكية بالكامل تتجنّب المذيبات الكيميائية المستخدمة في إنتاج الفسكوز التقليدي. مصنع Woodspin، الذي افتتح في مايو 2023 بالشراكة مع شركة الأوراق البرازيلية Suzano، ينتج نحو 1000 طن من الألياف سنوياً، واستحوذت Spinnova على كامل ملكيته في أكتوبر 2025. من بين شركائها التجاريين الفعليين: Marimekko وBergans، بالإضافة إلى تعاون مع Icebreaker (المملوكة لمجموعة VF Corp) لتطوير مزيج قماشي دائري مع صوف المارينو. الإنتاج لا يزال محدوداً مقارنة بحجم صناعة الأزياء العالمية، لكنه يمثّل أحد أوضح الأمثلة على تقنية نسج بديلة تعمل فعلياً خارج المختبر.
كيف تقرأ هذه التطورات كمصممة أزياء؟
القصص الثلاث تكشف نمطاً واحداً: التقنية وحدها لا تكفي؛ فالنجاح الحقيقي يحتاج إلى شريك صناعي ملتزم كما فعلت Hermès مع MycoWorks، وسعراً قابلاً للمنافسة مع البدائل التقليدية وهو ما تعثرت فيه Circulose قبل إعادة الهيكلة، وشراكات تصنيع تؤمّن حجم إنتاج فعلي كما بنَت Spinnova مع Suzano. لهذا فإن متابعة هذا القطاع تعني قراءة ما وراء الإعلانات التسويقية: من هو المستثمر الصناعي الفعلي خلف كل مادة جديدة، وهل وصلت إلى إنتاج تجاري حقيقي أم لا تزال في مرحلة النموذج الأولي؟
تختلف هذه المواد الثلاث في مدى قربها من الإنتاج الصناعي الفعلي، لكنها تتفق في نقطة واحدة: التحول التدريجي بعيداً عن اتجاه واحد في حجم الاستثمار الفعلي وليس حجم الهيكلة التقليدية، لصالح مسارات إنتاج أقل استهلاكاً للموارد وأكثر قابلية للتتبع عبر سلسلة التوريد. وهذا بالضبط ما يجعل متابعة هذا الملف كل عام أمراً ضرورياً لكل من يعمل فعلياً في تصميم الأزياء اليوم.
لمن تريد فهم كيفية تقييم واختيار الأقمشة المبتكرة ودمجها في مجموعاتها الخاصة بثقة، يتناول دبلوم الإبداع البشري والتكنولوجي لمصمم الأزياء في أكاديمية Anna Stella محاور كاملة حول الخامات الحديثة ومعايير الاستدامة الصناعية. لمزيد من التفاصيل: annastella-academy.com/courses/



