شهد الربع الثاني من عام 2026 أول إشارات واضحة على انتعاش صناعة الأزياء الفاخرة بعد عامين من التباطؤ المتواصل، إذ سجّلت كبرى دور الأزياء العالمية نمواً فصلياً للمرة الأولى منذ فترة طويلة، في وقت تتزامن فيه هذه الأرقام مع موجة تعيينات إبداعية كبرى غيّرت وجه التصميم في هذه الدور خلال العام نفسه.

أرقام الربع الثاني: من التراجع إلى بوادر التعافي
أعلنت مجموعة LVMH، أكبر مجموعة فاخرة في العالم، عن إيرادات بلغت 38.6 مليار يورو خلال النصف الأول من 2026، بتراجع نسبته 3% بالقيمة المُصرَّح بها لكن بنمو عضوي (organic) قدره 2% بعد استبعاد أثر صرف العملات وتغييرات محفظة الأعمال. الأهم من ذلك جاء من قسم الأزياء والجلديات (Fashion & Leather Goods)، العمود الفقري للمجموعة، والذي حقق إيرادات 18.146 مليار يورو خلال النصف الأول، متراجعاً بنسبة 1% عضوياً على مستوى النصف السنوي، لكنه سجّل نمواً عضوياً بنسبة 1% في الربع الثاني وحده — وهو أول نمو فصلي يحققه هذا القسم منذ عامين كاملين.
مجموعة Kering سجّلت بدورها أول ربع إيجابي لها منذ ثلاث سنوات، بنمو 2%، وهو ما انعكس فوراً على سهمها في بورصة باريس الذي قفز بنسبة 10% عقب الإعلان. علامة Gucci، التي تمثل الحصة الأكبر من إيرادات المجموعة، تراجعت بنسبة 2% فقط مقارنة بتراجع 8% في الربع الأول من نفس العام و19% خلال عام 2025 بأكمله — تحسّن لافت يترافق مع خطة إعادة الهيكلة التي يقودها الرئيس التنفيذي الجديد للمجموعة لوكا دي ميو (Luca de Meo).
في المقابل، واصلت Hermès أداءها القوي المعتاد بنمو 6.7% في الربع الثاني و6% في الربع الأول، مدفوعة بقسم الجلديات الذي يمثل نحو نصف إيراداتها ونما بنسبة 10%، إضافة إلى نمو السوق الياباني بنسبة 2.5%. وتُظهر هذه الأرقام أن التعافي ليس متساوياً بين الدور، بل يرتبط بعوامل تشغيلية وإبداعية مختلفة لكل علامة.
وأشار بيان LVMH إلى أن التوترات في الشرق الأوسط أثّرت سلباً على أداء الربع الأول، إلى جانب ضغط متصاعد من المستهلكين نحو ما يُعرف بـ”القيمة مقابل السعر” (value-for-money)، ما يدفع بعض العلامات إلى إعادة النظر في استراتيجيات التسعير.
التعيينات الإبداعية الجديدة تقود التحول
يربط الرئيس التنفيذي لمجموعة LVMH برنار أرنو (Bernard Arnault) جزءاً كبيراً من هذا التحسن مباشرة بالتغييرات الإبداعية، مشيداً بأولى مجموعات المصمم جوناثان أندرسون (Jonathan Anderson) لدار Dior باعتبارها نقطة تحول في أداء الدار. ولم يكن Dior الدار الوحيدة التي شهدت تغييراً في القيادة الإبداعية خلال هذه الفترة: تولى مايكل رايدر (Michael Rider) الإدارة الإبداعية لدار Celine، وعادت ماريا غراتسيا كيوري (Maria Grazia Chiuri) لتتولى Fendi، فيما انتقلت سارة بيرتون (Sarah Burton) إلى Givenchy. هذه التعيينات مجتمعة رفعت القيمة الدفترية الصافية لعلامات LVMH إلى 21.2 مليار يورو.
في مجموعة Kering، يقود المصمم ديمنا (Demna) — الذي انتقل مؤخراً من Balenciaga إلى Gucci — مسار تحول إبداعي مشابه، حيث تتزامن أولى مجموعاته مع التحسن الملحوظ في أرقام العلامة، ضمن خطة تحول أوسع تشرف عليها القيادة التنفيذية الجديدة للمجموعة.
هل هذه أخبار إيجابية؟
الإجابة نعم، لكنها إيجابية بمعنى محدد يستحق التوقف عنده: فالسوق لا يكافئ فقط الأداء المالي أو الكفاءة التشغيلية، بل بات يُسعّر التصميم نفسه كأصل قابل للقياس. حين يربط أكبر مستثمر في صناعة الفخامة عالمياً تحسّن الإيرادات مباشرة باسم مصمم واحد وأولى مجموعاته، فهذا يعني أن قرار تعيين مدير إبداعي جديد لم يعد قراراً جمالياً بحتاً، بل قراراً استراتيجياً يُقاس أثره على البورصة خلال أشهر معدودة. هذا لا يعني أن التعافي مضمون أو مكتمل — فالنمو ما يزال هشاً ومتبايناً بين الدور، وبعضها كـ Gucci ما يزال في منطقة التراجع وإن كان تراجعاً أقل حدة — لكنه يعني أن الاتجاه بدأ يتغير، وأن مصداقية الرؤية الإبداعية أصبحت عاملاً يُنظر إليه في التقارير المالية بقدر ما يُنظر إليه في صالات العرض.
ماذا يستفيد مصممو المستقبل من هذه الأرقام؟
- بناء هوية تصميم شخصية يمكن التعرف عليها: المصممون الذين أُسندت إليهم قيادة دور كبرى — من أندرسون إلى بيرتون — وصلوا إلى هذا الموقع بفضل بصمة تصميمية واضحة ومميزة سبقت تعيينهم، لا بفضل التنوع أو المرونة وحدها.
- إتقان التنفيذ التقني وصناعة الباترون يبقى البوابة الحقيقية حتى للمصممين الأكثر رؤية: أفكار جوناثان أندرسون أو ديمنا لا تتحول إلى منتج قابل للبيع في المتاجر دون فريق تنفيذ تقني دقيق يترجم الرؤية إلى قطع فعلية.
- الإبداع وحده لا يكفي تجارياً، يجب أن يبرر المصمم السعر: في ظل ضغط “القيمة مقابل السعر” الذي أشارت إليه LVMH نفسها، على كل تصميم جديد أن يقدّم للمستهلك سبباً واضحاً يستحق معه الفرق في السعر.
- دوران المديرين الإبداعيين المتكرر يعني فرص عمل حقيقية للمواهب الماهرة: أربع دور كبرى غيّرت قيادتها الإبداعية خلال فترة قصيرة نسبياً، وهو نمط متكرر في هذه الصناعة يفتح الباب أمام مصممين جدد للوصول إلى مواقع قيادية لم تكن متاحة قبل سنوات قليلة.
لمن تتابع مسارها المهني في التصميم وتتساءل كيف تبني هوية إبداعية تصمد أمام هذا النوع من التغيير السريع، يتناول دبلوم الإبداع البشري والتكنولوجي لمصمم الأزياء في أكاديمية Anna Stella محاور كاملة حول بناء الهوية التصميمية إلى جانب أساسيات صناعة الباترون والتنفيذ التقني. لمزيد من التفاصيل: annastella-academy.com/courses/



