تشهد صناعة الأزياء تحوّلاً لافتاً في طريقة إنتاج صور المنتجات بالذكاء الاصطناعي، بعدما كانت جلسات التصوير التقليدية تكلفة ثابتة لا مفر منها لكل علامة تجارية تبيع أونلاين. دانيال بيكر، رئيس قسم التجارة الإلكترونية والأسواق في علامة Blue Vanilla البريطانية، شارك في تقرير The AI Report 2026 الصادر عن منصة The Interline المتخصصة في تقنيات الأزياء (نُشر 18 سبتمبر 2026)، تجربته الفعلية مع هذه التقنية منذ بدأ اختبارها عام 2024، حين كانت الصور الأولى التي أنتجها تحمل كل ملامح الذكاء الاصطناعي غير الناضج: بشرة بلا مسام، أقمشة بلا طيّات، ونظرات فارغة كشفتها ابنته المراهقة من أول نظرة.

فجوة التكلفة: من 2500 جنيه إلى 50 جنيهاً
الفارق الأكبر الذي يوثقه بيكر هو فجوة التكلفة بين الطريقتين. جلسة تصوير تقليدية لخمسين منتجاً، تشمل أجر عارضة أزياء ومصممة مكياج واستوديو تصوير، تصل تكلفتها في بريطانيا إلى نحو 2500 جنيه إسترليني، أي حوالي 50 جنيهاً للمنتج الواحد. أما بالذكاء الاصطناعي، فتنخفض التكلفة لنفس الخمسين منتجاً إلى نحو 50 جنيهاً فقط، أي جنيه إسترليني واحد للصورة. وبعدما بنت Blue Vanilla أداتها الخاصة بالتعاون مع ViZO Studio، معتمدة على نموذج Gemini Image (المعروف أيضاً باسم Nano Banana) من Google، انخفضت التكلفة الفعلية لديهم إلى نحو 15 بنساً للصورة الواحدة.
آلية العمل تبقى بسيطة نسبياً: تصوير المنتج على مانيكان بإضاءة عادية، رفعه للأداة، كتابة وصف للمشهد والعارضة المطلوبة، ثم اختيار الخلفية والإكسسوارات. لكن بيكر يوضح أن هذه السرعة الظاهرية تصطدم بمشكلة التناسق؛ فالنتائج قد تحمل أخطاء في الظلال أو تسريحة الشعر تختلف من صورة لأخرى لنفس العارضة الافتراضية، ما يستدعي مراجعة يدوية وتعديلاً إضافياً على برامج مثل فوتوشوب.
المخاطر: الوظائف، والبيئة، والإبداع
في المقابل، لا يتجاهل بيكر الأسئلة الأخلاقية المرافقة لهذا التحول. فالعارضات ومصممو المكياج والمصورون هم الأكثر تأثراً، إذ يرجّح أن تنخفض أجورهم لمواكبة المنافسة مع التكلفة شبه المجانية للذكاء الاصطناعي، ما قد يجعل مهنة العرض أقل جدوى اقتصادياً على المدى الطويل. أما على الصعيد البيئي، فيتساءل بيكر عمّا إذا كانت الطاقة والمياه التي تستهلكها مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي تعوّض فعلاً انبعاثات الكربون الناتجة عن رحلات التصوير التقليدية، مرجّحاً أنها لا تفعل. ويضيف بُعداً ثالثاً يخص الإبداع نفسه: إذا كانت النماذج تتدرّب على بيانات الماضي فقط، فكيف ستنتج شيئاً جديداً حقاً؟ وهي مخاوف تتقاطع مع أسئلة أخرى لا تزال بلا إجابة واضحة حول ملكية وجه العارضة الرقمية وحقوق استنساخها.
هذا التوتر بين الكفاءة والمخاوف الأخلاقية ظهر بوضوح في تجربة H&M، التي أعلنت عن بناء “توائم رقمية” بالذكاء الاصطناعي لثلاثين من عارضاتها الحقيقيات، بموافقتهن ومقابل تعويض مالي، لاستخدامها في الحملات التسويقية بدل التصوير الحي كلما أمكن. ورغم أن الشركة أكدت التزامها بحماية حقوق العارضات، واجهت المبادرة انتقادات واسعة من العاملين في الصناعة حذّروا من تأثيرها على فرص عمل المصورين ومصممي الأزياء والمكياج. علامات أخرى كبرى، من بينها Zara وZalando وMango وLevi’s، بدأت بالفعل اعتماد صور عارضات بالذكاء الاصطناعي على نطاق إنتاجي واسع، ما يشير إلى أن هذا التحول لم يعد تجربة محدودة بل اتجاهاً متسارعاً في القطاع.
ماذا يستفيد مصممو الأزياء الجدد؟
- فهم أساسيات الذكاء الاصطناعي التوليدي في التصوير يمنح المصممة الجديدة قدرة على إنتاج صور احترافية لمجموعتها الخاصة دون ميزانية تصوير ضخمة، وهو ما يفتح الباب أمام إطلاق براند شخصي بتكلفة أقل بكثير من السابق.
- الأدوار المهنية المرتبطة بالتصوير تتغيّر لا تختفي؛ يقترح بيكر أن يتجه المصورون ومصممو الستايل نحو مسارات جديدة مثل “مهندس البرومبت” أو “المدير الفني الرقمي”، وهي مهارات تستحق أن تدخل ضمن خطة تطور أي طالبة تصميم اليوم.
- الوعي بالأسئلة الأخلاقية المحيطة بالتقنية، من حقوق العارضات إلى البصمة البيئية، يصبح جزءاً أساسياً من قرارات أي علامة أزياء ناشئة، لا مجرد تفصيل تقني هامشي.
يبقى المشهد، كما يصفه بيكر نفسه، مزيجاً من فرص هائلة ومخاطر مواكبة لها، وينصح كل علامة بأن تجرّب وتتعلّم بسرعة، لأن ما لا تتعلمه اليوم قد يصبح غداً ميزة تنافسية في يد منافسيها.
المصدر: Daniel Baker, “Testing The Pace Of AI Progress”, The Interline, 18 September 2026.



