تقنية الليزر في الجينز غيّرت طريقة صناعة البنطال الأكثر انتشاراً في العالم: بدلاً من حكّ القماش يدوياً ورشّه بالمواد الكيميائية لصنع مظهر “البالي”، يرسم شعاع ليزر التصميم على القماش خلال ثوانٍ. وخلف هذا التحول شركة إسبانية واحدة تقريباً هي Jeanologia، التي تقول إن أكثر من 40% من جينزات العالم تُنتَج اليوم بتقنياتها.
لماذا كان الجينز مشكلة بيئية وصحية؟
لعقود، كان مظهر الجينز المستعمل يُصنع بطرق قاسية: صنفرة يدوية بورق خشن، ورشّ برمنغنات البوتاسيوم لتفتيح اللون، وغسل بالحجارة يستهلك كميات هائلة من المياه. وأخطرها كان السفع الرملي، الذي حظرته تركيا عام 2009 بعد وفاة عمال بمرض السحار السيليسي الناتج عن استنشاق غبار الرمل. وبحسب بيانات Jeanologia، يستهلك تشطيب بنطال جينز واحد بالطريقة التقليدية نحو 70 لتراً من المياه.
كيف تعمل تقنية الليزر في الجينز؟
تأسست Jeanologia في مدينة فالنسيا الإسبانية على يد Enrique Silla، وأطلقت أول آلة ليزر لها عام 1999. الفكرة بسيطة في ظاهرها: يُصمَّم أثر البهتان والخدوش والتمزقات على الحاسوب، ثم “يحرقه” الليزر على سطح القماش بدقة متناهية، فيزيل جزءاً من صبغة النيلة دون ماء ولا كيميائيات. ويمكن أن ينفّذ الليزر صوراً ونقوشاً كاملة، لا مجرد بهتان.

ولا تعمل الشركة بالليزر وحده، بل بمنظومة من ثلاث خطوات:
- الليزر: يحل محل الصنفرة اليدوية ورشّ المواد الكيميائية.
- الأوزون G2: يستخدم الهواء والأوزون بدل الماء لتفتيح القماش، ليحل محل الغسل بالحجارة والمبيّضات.
- eFlow: تقنية فقاعات نانوية تنقل كمية صغيرة جداً من الماء والمواد إلى القطعة لتنعيمها، وتوفر حتى 95% من المياه و90% من الكيميائيات و40% من الطاقة وفق الشركة.
وبالجمع بين الثلاث، تقول Jeanologia إن استهلاك المياه ينخفض من نحو 70 لتراً إلى 20 لتراً أو أقل للقطعة، وتصل بعض خطوطها إلى مفهوم “كأس ماء واحد لكل قطعة”.
Levi’s: من ساعة كاملة إلى 90 ثانية
أشهر تطبيق لهذه التقنية جاء من Levi Strauss & Co. ففي فبراير 2018 أعلنت مشروع Project F.L.X بالشراكة مع Jeanologia، وبحسب بيان الشركة الرسمي انخفض وقت التشطيب من قطعتين أو ثلاث في الساعة إلى نحو 90 ثانية للقطعة. وتقول Levi’s إن الليزر سمح لها بالتخلص من آلاف التركيبات الكيميائية، وتقليص “وصفة” التشطيب من 15 إلى 20 خطوة إلى ثلاث خطوات فقط، كما يتيح لها إنتاج التشطيب المطلوب بالقرب من موعد البيع بدل التخمين قبل أشهر.
المياه: الأرقام على مستوى الصناعة

يُنتَج في العالم نحو 5 مليارات بنطال جينز سنوياً. وفي 2018 كانت Jeanologia تقول إن نحو 35% منها تُصنع بتقنياتها، وإن تقنياتها ساهمت في توفير نحو 8 ملايين متر مكعب من المياه في عام 2017 وحده. وفي 2026 ارتفعت حصتها المعلنة إلى أكثر من 40%. كما طوّرت منصة eDesigner التي تتيح للعلامات تصميم التشطيبات واختبارها رقمياً قبل صنع أي عيّنة فعلية.
الخطوة التالية: إعادة تدوير الأقمشة الممزوجة
في يونيو 2026 وقّعت Jeanologia مذكرة تفاهم مع معهد هونغ كونغ لأبحاث المنسوجات والملابس (HKRITA) وشركة Looptworks الأمريكية لإطلاق منظومة “Green Machine” لإعادة التدوير (FashionNetwork). وتعتمد المنظومة على تقنية Green Machine 4.0 الحرارية المائية التي طوّرها المعهد لفصل الأقمشة الممزوجة من القطن والبوليستر، فتكون Jeanologia أول شريك رسمي لتصنيع الآلات، وLooptworks أول جهة تتبنى التقنية تجارياً. ولمعرفة المزيد عن هذا السباق، اقرأ مقالنا عن إعادة تدوير الأقمشة الممزوجة لدى Circ وAmbercycle. وللمعهد شراكات سابقة مع H&M Group وشركة الدنيم التركية Isko.
ماذا يستفيد مصممو المستقبل؟
- التصميم صار رقمياً: أثر البهتان والتمزق يُرسم اليوم كملف على الحاسوب قبل أن يصل إلى القماش. إتقان برامج التصميم الرقمي ميزة حقيقية لمن يعمل في الدنيم.
- فهم القماش ما زال أساسياً: نتيجة الليزر تختلف باختلاف نسبة القطن والألياف ونوع الصبغة، فمعرفة الخامات هي ما يصنع الفرق بين تصميم ناجح وآخر يحرق القماش.
- الاستدامة أصبحت لغة السوق: العلامات الكبرى تسأل الموردين عن استهلاك المياه والكيميائيات، والمصمم الذي يفهم هذه الأرقام يتحدث لغة الصناعة.
باختصار، تقنية الليزر في الجينز ليست مجرد آلة أسرع، بل نموذج لكيف يمكن للتكنولوجيا أن تحمي العامل والماء معاً دون التضحية بجمال التصميم.
المصادر: بيان Levi Strauss & Co. حول Project F.L.X (2018)، بيان HKRITA الصحفي (يونيو 2026)، Bloomberg، FashionNetwork، بيانات Jeanologia الصحفية.



