الشاشة اللمسية المنسوجة لم تعد فكرة من أفلام الخيال العلمي. فقد نجح فريق من الجامعة الوطنية في سنغافورة (NUS) في صنع كمّ قميص يعرض الصور والفيديو ويستجيب للمس الإصبع، والشاشة فيه ليست قطعة بلاستيك مخيطة فوق القماش، بل هي القماش نفسه. وتصف الجامعة هذا الكمّ بأنه أول شاشة لمس تُبنى داخل قطعة ملابس في العالم.
ما الجديد في الشاشة اللمسية المنسوجة؟
جرّبت الشركات من قبل إدخال التكنولوجيا في الملابس. أشهر مثال سترة الجينز من Levi’s بالتعاون مع Google عام 2017، التي كان في كُمّها جزء حساس للمس يتحكم بالهاتف، لكن الشاشة نفسها بقيت في الهاتف. أما الجديد هنا فهو أن الخيط الواحد يضيء ويحسّ باللمس في الوقت نفسه.
صنع الفريق 54 خيطاً خاصاً، يحمل كل خيط صفاً من المصابيح الدقيقة جداً (LED). وعندما تُنسج الخيوط جنباً إلى جنب على ساعد الكمّ، تتكوّن شاشة صغيرة ملونة. وتحت المصابيح طبقة حساسة؛ فإذا ضغطتِ على الخيط اكتملت دائرة كهربائية صغيرة، فيعرف النظام مكان إصبعك ويُضيء أقرب نقطة إليه.
ماذا يعني هذا لك كمصممة؟ الشاشة هنا ليست “إكسسواراً” يُضاف بعد التصميم، بل خامة تدخل في التصميم من البداية، مثل أي خيط أو نسيج تختارينه.

كيف يتحول الخيط إلى شاشة؟
الصعوبة الكبرى أن الخيط رفيع وطويل، أي “أحادي البُعد” بلغة العلماء، بينما الدوائر الإلكترونية تُبنى عادة على ألواح مسطحة فيها مساحة لتمديد الأسلاك. لذلك ابتكر الفريق طريقتين:
أولاً: التوصيل بالليزر. يستخدم الفريق شعاع ليزر لكشف نقاط محددة على أسلاك معزولة رفيعة جداً، ثم يُوجَّه لحام منصهر إلى هذه النقاط فقط ليربط الرقائق الإلكترونية بالسلك. وبهذه الطريقة ربطوا أكثر من 5000 رقاقة داخل خيوط الكمّ.
ثانياً: السحب الحراري (Thermal Drawing). هي طريقة تُصنع بها ألياف الإنترنت الضوئية. تخيّلي قطعة سميكة من الحلوى فيها طبقات ملونة، تُسخَّن ثم تُشدّ ببطء حتى تصبح خيطاً رفيعاً جداً، مع بقاء الطبقات مرتبة في داخله كما كانت. بهذه الطريقة صنع الفريق خيطاً بسماكة مليمتر واحد تقريباً وطول عشرة أمتار، يحتوي في داخله طبقة الإضاءة وطبقة اللمس معاً.
ماذا يعني هذا لك كمصممة؟ تقول الجامعة إن النسخ الأرفع من هذا الخيط يمكن أن تُحاك وتُنسج وتُطرّز على آلات المصانع العادية. أي أن المصانع لن تحتاج إلى خطوط إنتاج جديدة بالكامل لاستخدامه.
ماذا يستطيع الكمّ أن يفعل؟
الشاشة اللمسية المنسوجة في هذا النموذج صغيرة ودقتها منخفضة، وتشبه شاشات الهواتف القديمة أكثر من الهواتف الذكية الحديثة. لكنها تعرض الصور والفيديو، وتشغّل آلة حاسبة وبوصلة، وتستقبل الصور عبر البلوتوث، وتستجيب للأوامر الصوتية. وتحمل خيوط إضافية في الكمّ ميكروفوناً وسماعة وحساسات. ومن أطرف ما فيه أن خيط الحرارة إذا وُضع تحت الإبط يقيس حرارة الجسم ويعرضها على الكمّ مباشرة.
هل تتحمّل الشاشة اللمسية المنسوجة الغسيل والارتداء اليومي؟
هذا هو السؤال الأهم لأي قطعة ملابس. وبحسب الباحثين، بقيت الإضاءة والاستجابة للمس شبه ثابتة بعد 50 غسلة في غسالة عادية مع المنظف، وبعد ألف مرة من الثني الحاد. كما أن القماش بقي مرناً، ويسمح بمرور الهواء مثل القطن والبوليستر والدنيم، وضمن حدود السلامة المعتمدة لملامسة الجلد.
ماذا يعني هذا لك كمصممة؟ قابلية الغسيل والتهوية هما ما يفصل “الملابس الذكية” التي تبقى في المختبر عن الملابس التي يرتديها الناس فعلاً. وأي مصممة ستعمل مع هذه الخامات مستقبلاً ستحتاج إلى التفكير في تعليمات العناية، ومكان وضع الشاشة في الباترون، وراحة القطعة على الجسم.
أين تقف الشاشة اللمسية المنسوجة بين الأقمشة الذكية؟
تحدثنا في مقال سابق عن الأقمشة الذكية والوظيفية، وهي أقمشة صُممت لتؤدي وظيفة إضافية إلى جانب الشكل، مثل طرد العرق أو تنظيم الحرارة أو مقاومة الماء. معظم هذه الأقمشة تعمل بشكل “صامت”: خصائصها موجودة في الألياف نفسها، ولا تحتاج إلى كهرباء.
أما الشاشة اللمسية المنسوجة فتنتمي إلى جيل آخر يُسمّى أحياناً “الإلكترونيات النسيجية”، أي أقمشة تحمل داخل خيوطها قطعاً إلكترونية حقيقية تحتاج إلى طاقة، وتستقبل المعلومات وتعرضها. الفرق يشبه الفرق بين مظلة تحميك من المطر، وهاتف يخبرك متى سيمطر.
ماذا يعني هذا لك كمصممة؟ كما تتابعين أبحاث الألياف الحيوية الجديدة التي تغيّر مصدر الخيط، تابعي أيضاً أبحاث الخيوط الإلكترونية التي تغيّر وظيفته. فالسؤال لم يعد فقط “من أي مادة صُنع القماش؟” بل أيضاً “ماذا يستطيع القماش أن يفعل؟”.
لماذا يُموَّل هذا البحث؟ الدافع الحقيقي وراء الخبر
قد يبدو المشروع لعبة تقنية، لكن الدافع الأساسي صحي. فقد موّل البحث المجلس الوطني للبحوث الطبية ووزارة الصحة في سنغافورة. والفكرة أن الشاشة اللمسية المنسوجة ومثيلاتها قد تجعل الملابس تجمع معلومات الجسم باستمرار، مثل الحرارة، عبر خيوط حساسة، ثم تعرضها على القماش نفسه دون الحاجة إلى جهاز منفصل. ويقول البروفيسور Tural Khudiyev، قائد الفريق، إن الرعاية الصحية من أكثر التطبيقات الواعدة لهذه التقنية.
ومن المهم التوضيح: هذا نموذج بحثي حتى الآن. لم تُعلن الجامعة عن شريك تجاري، ولا عن سعر، ولا عن موعد لطرح قطعة ملابس في الأسواق. والخطوة التالية للفريق هي شاشة أدق، وحساسات أكثر، وذكاء اصطناعي يعمل داخل القماش نفسه.
ماذا يستفيد مصممو المستقبل؟
ما يحدث في سنغافورة يقول لنا شيئاً واضحاً: الحدود بين المصممة والمهندس بدأت تذوب. مصممة الغد ستُسأل: أين أضع الشاشة في القطعة؟ كيف أخفي الأسلاك داخل خياطة أو طيّة؟ كيف أجعل قطعة “ذكية” جميلة ومريحة، لا مجرد جهاز يُلبس؟
لهذا فإن فهم الأقمشة الذكية والوظيفية اليوم ليس رفاهية، بل استعداد لسوق قادم. ومن تعرف كيف تتعامل مع الخامة الجديدة من مرحلة الرسم والباترون، ستكون في موقع أقوى عندما تخرج الشاشة اللمسية المنسوجة وأمثالها من المختبر إلى المصانع.



