إعادة تدوير الأقمشة انتقلت في 2026 من مرحلة التجارب والشعارات إلى مرحلة الاستثمار الصناعي الفعلي: مصانع بطاقات إنتاجية تُقاس بعشرات آلاف الأطنان، وشراكات بعشرات ملايين الدولارات، وخيوط معاد تدويرها تُعرض جنباً إلى جنب مع الخيوط التقليدية في أكبر معارض الغزل في العالم. في هذا المقال نستعرض أبرز ما حدث هذا العام، ولماذا يهمّ كل من يعمل في تصميم الأزياء.
معرض Yarn Expo في شنغهاي: الاستدامة في قلب سوق الخيوط
أُقيم معرض Yarn Expo Autumn 2026 في المركز الوطني للمعارض والمؤتمرات في شنغهاي بين 25 و27 أغسطس، وأعلن منظّمه Messe Frankfurt في تقريره الختامي (18 سبتمبر) أن المعرض جمع نحو 600 عارض من 14 دولة ومنطقة، وقرابة 22 ألف زائر من 110 أسواق. أُقيم المعرض بالتوازي مع معرض Intertextile Shanghai للأقمشة ومعرض CHIC للأزياء، ما ربط مرحلة الألياف والخيوط مباشرة بمرحلة القماش ثم الملابس الجاهزة.
اللافت أن الاستدامة لم تعد ركناً جانبياً في المعرض، بل موضوعاً رئيسياً: خيوط بوليستر معاد تدويرها بالكامل، وبوليستر من مصادر نباتية، وبوليستر مُجدَّد من عبوات PET وبقايا الأقمشة، إلى جانب برنامج “New Fibre New World” الذي خصّص أحد محاوره لإعادة تدوير الموارد وإعادة استخدامها. وأشار مصنّع الملابس البنغالي MASCO إلى أن نحو 95% من استهلاكه للخيوط القطنية أصبح من خيوط معتمدة أو عضوية أو معاد تدويرها.
Indorama Ventures وJiaren: استثمار بعشرات الملايين لإعادة التدوير الكيميائي
أكبر خطوة استثمارية في هذا المجال جاءت من Indorama Ventures التايلاندية، أحد أكبر منتجي ومعيدي تدوير البوليستر (PET) في العالم، التي أعلنت مشروعاً مشتركاً مع شركة Jiaren Chemical Recycling الصينية المتخصصة في إعادة تدوير البوليستر كيميائياً. يدعم المشروع استثمار من Indorama في طاقة Jiaren الإنتاجية بقيمة “عشرات ملايين الدولارات” حسب إعلان الشركة، بهدف الوصول إلى طاقة غزل تصل إلى 100 ألف طن سنوياً من البوليستر المعاد تدويره من نفايات الأقمشة.
تبلغ الطاقة الحالية لـ Jiaren نحو 30 ألف طن سنوياً، وقد أضافت قاعدة إنتاج ثانية ترفع قدرتها المحتملة إلى 150 ألف طن. ما يميّز تقنيتها أنها تجمع النفايات النسيجية وتفرزها وتزيل ألوانها، ثم تفكّك البوليمر إلى مكوّناته الأولى وتعيد بناءه — أي أن الخيط الناتج يقارب في أدائه الخيط الجديد المصنوع من البترول. وفي معرض شنغهاي عرضت Indorama تشكيلة deja™ المصنوعة من PET معاد تدويره بنسبة 100%.
Toray وThe Lurex Company: الابتكار لا يقتصر على البوليستر العادي
قدّمت اليابانية Toray Industries في المعرض البوليستر المصنوع من مصادر نباتية، إلى جانب تقنية NANODESIGN® التي تتحكم بشكل مقطع الليفة على مستوى دقيق جداً، ما يتيح تصميم ملمس القماش ولمعانه ووظيفته من داخل الليفة نفسها. أما البريطانية The Lurex Company فعرضت خيوطها المعدنية الشهيرة بنسخة معاد تدويرها بالكامل وقابلة للتتبّع — وهي إضافة مهمة لأن الخيوط اللامعة كانت تاريخياً من أصعب المكوّنات استدامةً في أقمشة السهرة والتريكو.
لماذا تهمّ إعادة التدوير الكيميائية تحديداً؟
إعادة التدوير الميكانيكية (فرم القماش وإعادة غزله) تُضعف الألياف وتقصّرها في كل دورة، فتنتهي غالباً في منتجات أقل قيمة كالحشوات والعوازل. أما إعادة التدوير الكيميائية فتعيد البوليمر إلى أصله، فيمكن نظرياً تحويل قميص قديم إلى خيط جديد بالجودة نفسها — وهو ما يُسمّى “من النسيج إلى النسيج”. التحدي الأكبر ما يزال في الأقمشة المخلوطة (قطن مع بوليستر مع إيلاستين)، لأن فصل مكوّناتها صعب ومكلف.

ماذا يستفيد مصممو المستقبل؟
- اختيار الخامة جزء من التصميم: المصممة التي تعرف الفرق بين البوليستر المعاد تدويره ميكانيكياً وكيميائياً تستطيع أن تطلب من المورّد خامة بأداء مضمون.
- التصميم من أجل إعادة التدوير: تقليل خلط الألياف في القطعة الواحدة يجعل إعادة تدويرها لاحقاً أسهل بكثير.
- الشهادات والتتبّع: المشترون في المعارض الدولية يسألون اليوم عن الشهادات ومصدر الخيط — ومعرفة هذه اللغة ميزة مهنية حقيقية.
- فرص في الأقمشة الفاخرة: ظهور خيوط معدنية معاد تدويرها يفتح الباب لتصميم أزياء سهرة أكثر استدامة دون التنازل عن اللمعان.
خلاصة
إعادة تدوير الأقمشة أصبحت صناعة قائمة بذاتها تجذب استثمارات كبرى ومعارض دولية. ما زال الطريق طويلاً أمام تدوير الأقمشة المخلوطة على نطاق واسع، لكن المصممين الذين يفهمون الخامات من الليفة حتى القطعة النهائية سيكونون الأكثر جاهزية لسوق يتغيّر بسرعة. وفي أكاديمية Anna Stella نعتبر فهم الأقمشة والخامات أساساً في رحلة كل مصممة أزياء.



