تشهد صناعة الأزياء لحظة فارقة مع دخول روبوتات الخياطة مرحلة التطبيق التجاري الفعلي بعد سنوات من التجريب المخبري. ففي أغسطس 2025، ضخّت مجموعة الأزياء الدنماركية العملاقة BESTSELLER عشرين مليون دولار في شركة SoftWear Automation الأمريكية، صاحبة منصة “Sewbot”، في خطوة تُعدّ من أوضح الإشارات على أن الخياطة الآلية بالكامل لم تعد فكرة مستقبلية بل واقعاً يُعاد به تشكيل خطوط الإنتاج.
ما هي تقنية Sewbot ولماذا تراهن عليها الصناعة؟
تأسست SoftWear Automation عام 2012 على يد مجموعة من الباحثين في معهد جورجيا للتقنية، ويقودها اليوم الرئيس التنفيذي بالاني سوامي “راج” راجان. تقوم منصة Sewbot على دمج الروبوتات مع الرؤية الآلية (machine vision) والذكاء الاصطناعي، بحيث تتعرف أجهزة الاستشعار على أي تشوّه أو انزلاق في القماش أثناء الخياطة وتصحّحه لحظياً دون تدخل بشري — وهي المشكلة التقنية التي عطّلت أتمتة الخياطة الكاملة لعقود، لأن القماش، خلافاً للمعادن أو البلاستيك، مادة مرنة يصعب التنبؤ بسلوكها. وبحسب الشركة، تغطي المنصة اليوم سلسلة العمليات كاملة تقريباً: من القصّ الآلي للأقمشة، مروراً بالخياطة والحياكة، وصولاً إلى وسم القطع النهائية، ضمن خط إنتاج واحد متكامل يقلّل الحاجة إلى التدخل اليدوي بين كل مرحلة وأخرى.

استثمار 20 مليون دولار من BESTSELLER: رهان الصناعة الكبرى على الأتمتة
جاء الاستثمار عبر ذراع BESTSELLER الاستثمارية “Invest FWD”، ورفع إجمالي التمويل الذي جمعته SoftWear Automation منذ تأسيسها إلى أكثر من 44 مليون دولار، بمشاركة مستثمرين حاليين مثل CTW Venture Partners وSRI Capital وMacDonald Ventures. ولضمان تمثيلها في قرارات الشركة، انضم توماس بورغلوم جنسن، المدير المالي لمجموعة BESTSELLER (المالكة لعلامات JACK & JONES وVERO MODA وONLY)، إلى مجلس إدارة SoftWear Automation. الهدف المعلن للتمويل هو توسيع العمليات وتسريع تطوير المنتجات وتقليل أوقات التسليم وكميات الهدر في خطوط الإنتاج.
أرقام تكشف حجم الطموح: نحو مليار قميص سنوياً
تنتج منصة Sewbot حالياً نحو 800 ألف قميص قطني يومياً، أي بمعدل قميص واحد كل 50 ثانية تقريباً، بمعدل جودة تتجاوز الشركة نسبته 98%. أما الطموح الأبعد فهو الوصول إلى إنتاج مليار قميص سنوياً باستخدام ما بين 1600 و2000 وحدة Sewbot موزّعة على مواقع تصنيع متعددة، مع القدرة على تصنيع قمصان قطنية عند الطلب (made-on-demand) خلال 24 إلى 48 ساعة فقط — وهو رقم يقلب منطق سلاسل التوريد التقليدية التي تعتمد على أشهر من التخطيط المسبق والشحن عبر القارات.

من القمصان إلى الدنيم: تطبيقات متعددة ودرس من الماضي
لا تقتصر تطبيقات المنصة على القمصان القطنية، إذ توسّعت SoftWear Automation لتشمل خطوط إنتاج المناشف والمنسوجات المنزلية وحتى الدنيم. ومع ذلك، فإن مسيرة الشركة لم تخلُ من الدروس: شراكة سابقة أُعلن عنها مع Tian Yuan Garments، أحد أكبر مصنّعي الملابس الرياضية لصالح Adidas، لم تُكتب لها الاستمرارية على المدى الطويل، ما يذكّر بأن نضج التقنية شيء، ونجاح تطبيقها الصناعي على نطاق واسع واقتصادياً شيء آخر يحتاج وقتاً وتجربة وخطأ.

ماذا يعني هذا لمصممي ورياديي الأزياء في المستقبل؟
بالنسبة لمن يخطط لدخول الصناعة اليوم، يحمل هذا التحول رسالة عملية واضحة: القدرة التنافسية لن تقتصر على حسّ التصميم وحده، بل ستشمل فهم كيف تُصمَّم القطعة بحيث تكون “قابلة للأتمتة” من حيث القصّات والخامات، وكيف تُدار سلاسل توريد أسرع تعتمد على تصنيع محلي أو قريب (nearshoring) بدل الاعتماد الكامل على مصانع بعيدة. فتقصير زمن التصنيع إلى 24-48 ساعة، كما تعد به SoftWear Automation، يعني أن العلامات الصغيرة والناشئة قد تحصل تدريجياً على خيارات إنتاج بكميات محدودة كانت في السابق حكراً على المصانع الكبرى القادرة على تحمّل تكاليف الحد الأدنى للطلبيات. المصمم الذي يفهم حدود وإمكانات هذه التقنيات الجديدة، ويستطيع التحدث بلغة مشتركة مع فرق الإنتاج والتقنية، سيكون في موقع أفضل لتحويل أفكاره إلى منتجات فعلية بسرعة وكفاءة أكبر، بدل أن يبقى التصميم والتصنيع عالمين منفصلين لا يلتقيان إلا في مراحل متأخرة من العملية.
في النهاية، لن تحلّ روبوتات الخياطة محلّ المصمم، لكنها ستغيّر الأسئلة التي يطرحها منذ اللحظة الأولى: ما الخامة الأنسب للإنتاج الآلي؟ وكيف أبسّط القصّة دون أن أفقد روحها؟ ومن يطرح هذه الأسئلة مبكراً سيكون جاهزاً حين تصبح هذه التقنيات جزءاً عادياً من كل مصنع.
إذا أردتِ أن تبني فهماً عملياً لهذه التحولات التقنية وتأثيرها على مسار التصميم والإنتاج، يمكنكِ استكشاف دورات أكاديمية آنا ستيلا التي تجمع بين أساسيات التصميم ومستجدات الصناعة الحديثة.



